محمد حسين الحسيني الجلالي
368
لباب النقول في موافقات جامع الأصول
قال : فكان جماعةُ الهدي الذي قَدِمَ به عليّ من اليمن والذي أتى به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مائَةً ، قال : فحَلَّ الناسُ كلّهم وقَصَّروا إلّاالنبيّ ومن كان معه هديٌ ، فلمَّا كان يومُ التَروية توجَّهُوا إلى منى فأهلّوا بالحجّ ، وركب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فصَلَّى بها الظهرَ والعصر والمغرب والعشاء والفجر . ثم مكثَ قليلًا حتى طلعت الشمسُ ، وأمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعَر تُضرب له بنمرة ، فسار رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا تشكُّ قريشٌ إلّاأنّه واقِفٌ عند المشعَرِ الحَرام بالمزدلفة كما كانت قُريش تصنَعُ في الجاهلية ، فأجاز رسولُ اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم حتَّى أتى عرفة ، فوجد القُبَّة قد ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ ، فنزل بها ، حتى إذا زاغتِ الشمسُ أمرَ بالقصواء فَرُحِلَتْ له ، فركِب فأتى بطنَ الوادي ، فخَطَب الناس ، وقال : إنَّ دماءَكُمْ وأموالَكُم حرامٌ عليكم كحُرمَةِ يومِكُمْ هذا ، في شهرِكُمْ هذا ، في بلدكم هذا . ألا كُلُّ شَيءٍ من أمْر الجاهليةِ تحتَ قَدَمَيَّ موضوعٌ ، ودِمَاءُ الجاهليةِ موضوعَةٌ ، وإنَّ أوَّلَ دَمِ أضَعُ من دمائِنَا دَمُ ابن ربيعة بن الحارث ، كان مستَرضعاً في بنِي سَعْدٍ ، فقَتلتْهُ هَذيل . ورِبَا الجاهلية موضوعٌ وأوّل رباً أضَعُ رَبانَا ، رِبَا العَبَّاسِ بن عبد المطلبِ ، فإنّه موضوعٌ كُلُّه . واتَّقُوا اللَّه في النِّسَاءِ ، فإنّكم أخذتموهُنَّ بأمانِ اللَّه ، واستحلَلْتُم فرُوجَهُنَّ بكلمةِ اللَّه ، ولكم عليهنَّ أن لا يُوطِئْنَ فُرُشكُم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضرِبُوهُنَّ ضَرْباً غير مُبَرِّحٍ ، ولَهُنَّ عليكم رِزقُهُنَّ وكُسْوَتُهُنَّ بالمعروف . وقد تركتُ فيكم ما لَن تَضِلُّوا بعده إن اعتصمتم به : كتابَ اللَّه ، وأنتم تُسْأَلُون عَنِّي ، فما أنتُمْ قائلون ؟ قالوا : نَشهدُ أنّك قد بَلَّغْتَ وأَدَّيْتَ ونَصَحْتَ : فقال بإصبعه السبَّابَةَ ، يرفَعُها إلى السماء وينكُتُها إلى النَّاسِ : اللّهُمَ اشهَد ، اللّهمَّ اشهَدْ - ثلاث مرات - ثم أذَّن بلالٌ ، ثم أقامَ فصلَّى الظهْر ، ثم أقام فصلَّى العصر ، ولم يُصَلِّ بينهما شيئاً . ثم ركِبَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم حتى أتى المَوْقِفَ ، فَجَعَل بَطن ناقتِهِ القَصْواءَ إلى الصَّخَراتِ ، وجَعل حَبْلَ المُشاةِ بين يَدَيْهِ واستقبَل القِبْلَةَ ، فلم يزل واقفاً حتَّى غَرَبتِ الشَّمسُ ، وذَهَبتِ الصُّفْرَةُ قليلًا حين غَابَ القُرْصُ ، وأردَفَ أُسامة خَلْفَه ، ودَفع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وقد شَنَّقَ للقَصْواء الزّمام حتى إنَّ رأسَها ليُصيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ ، ويقول بيدهِ : أيُّها النَّاسُ ، السَّكِينَةَ ، السَّكِينَةَ ، كُلَّمَا أتى حَبْلًا من الحِبَالِ أرْخَى لَهَا قليلًا حَّتى تَصَعَّدَ ، حتّى أتى المُزْدَلِفَةَ ، فَصَلَّى بها المغربَ والعشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامَتَيْنِ ، ولم يُسَبِّحْ بينهما شيئاً ، ثم اضطَجَعَ رسول